بريد أجراس الاتصال بنا من نحن الصفحة الرئيسية

 
/... معتصم حمادة عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية: " أن تكون إسرائيل وطناً قومياً لليهود، هذا قرار إسرائيلي لا يستطيع العرب أن يمنعوا الدوائر المعنية في تل أبيب من اعتماده" ~ من زنزانته أحمد سعدات: حل الدولة الواحدة هو الحل الحاسم للصراع في الشرق الاوسط . ~ النرويج تعلن مقاطعة كبرى الشركات الإسرائيلية ~ الأمن الوقائي يعتقل القائد العام لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى بنابلس و الشعبية تحمل السلطة المسؤولية عن حياته . ~ إعتصام امام ميناء كندي يدعو لمقاطعة الاحتلال ~ عــ48ـرب: مصادر مقرّبة من الجبهة الشعبية: الجبهة بصدد اتخاذ قرارات ذات طابع إستراتيجي ~ توتر بين حركتي «الجهاد» و«حماس» في غزة ~ عريضة"رسالة مفتوحة الى محمود عباس ، رئيس السلطة الفلسطينية" ~ ليلى خالد "لعباس ميرزا": سقطتم وسقطت شرعيتكم ولا تمثلون غير الجواسيس ~ إطلاق حملة شعبية لدعم الدفاع عن أمير مخول ~ ردود فعل فلسطينية وعربية في أمريكا الشمالية حول " مفاوضات واشنطن" . ~ 
أنت الزائر رقم
ارسل الى صديق أضف للمفضلة طباعـة

الأيديولوجي والجمالي في مجموعة "الوجه والعجيزة" - دراسة في ثلاثة نصوص قصصية للكاتب أحمد حسين (الجزء3)
د. خضر محجزعدد القراءات 589
2010-01-25
 
 
 
د. خضر عطية محجز
الأيديولوجي والجمالي في مجموعة "الوجه والعجيزة":
دراسة في ثلاثة نصوص قصصية للكاتب أحمد حسين
 
(الجزء الثالث: النص الثالث والخاتمة والمراجع)
 
 
 
 
 
النص الثالث: قاعدة المثلث
وجهة النظر شكلاً ومحتوىً:
 
بخلاف النصّين السابقين، نحن الآن أمام راوٍ موضوعيّ يسرد بضمير الغائب. فهو راوٍ عليم يحيط بالموجودات ويتغلغل في وعي الشخصيات. وهذا الراوي يصطنع له بطلاً هو الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث. ويبدأ بهذه الفقرة:
 
"فطن إلى أنه ليس خائفًا كالمعتاد. استغرب ذلك بل وأحسّ حتى بشيء من القلق. إن إحساس الإنسان لا يمكن أن يتبلّد بهذه السرعة؛ فهذه ليست إلاّ تجربته الثالثة. وإذا كانت الأمور قد سارت بسهولة في المرّتين السابقتين، فلا يعني هذا أنها ستسير بنفس السهولة في هذه المرّة أيضًا، وأن الأمر كان مجرّد حظ فقط. وهو يدرك الآن تمام الإدراك أن الحظ شيء لا يمكن الاعتماد عليه، بل إنه ليصرّ على أنه من أكثر الأمور قذارة وفوضويّة في هذه الحياة. فماذا يعني هذا الاطمئنان أو هذه اللامبالاة إذن!". (ص191)
 
لن نتوقف طويلاً أمام إهمال المؤلف تسمية البطل، فنحن بالنظر إلى طبيعة المحتوى النصّيّ سرعان ما ندرك أن المراد بذلك تعميم الدلالة، لتحيل إلى كل الأفراد الفلسطينيين في الأرض المحتلة. نقول: كل الأفراد الفلسطينيين، رغم أن القصة تقدم لنا شخصيات فلسطينية أخرى، لا ينالها هذا التعميم. ولعلّ هذه إحدى إشكاليات وجهة النظر، التي سيحاول هذا التحليل تسليط الضوء عليها. نقول بأننا لن نتوقف طويلاً أمام كل هذا، لأن ما يشغلنا ونتوقف أمامه هو هذا الراوي الشفاف، الذي يصرّ المؤلف الضمني على الظهور من ورائه. حيث لا يفعل مؤلفٌ ذلك إلاّ تحت ضغط الأيديولوجيا.
 
وإذا كنا قد قلنا سابقًا بأن المؤلف الضمني هو شخصية المؤلف، التي يستنتجها المتلقي من بين ثنايا النص (انظر: بوث، 1994: 83-84) فقد أصبح واضحًا لدينا أن أحمد حسين المؤلف المدني والمناضل القومي هو من يقف وراء هذه الرؤية الأيديولوجية. إنه يريد أن يقول لنا ما يراه؛ من ضرورة إعطاء التخطيط العلمي حقه، خصوصًا في قضايا النضال الوطني، حيث يحرمُ إهمال شيء من العلمية بذريعة الحظ. ولولا ذلك لكان قول الراوي (الحظ شيء لا يمكن الاعتماد عليه)، مجرد نافلة لا قيمة لها. وهل يمكن للفدائي المتهيّئ لعملية، قد تكلفه حياته، أن يسائل نفسه مثل هذا السؤال؟. صحيح أنه يسائل نفسه، بهذه الطريقة، بعيد اكتشافه أنه يشعر بكثير من اللاّمبالاة، في موقف أبعد ما يكون من ذلك. لكننا سوف نكتشف أن السبب كامن في المحيط الخارجي، الذي يبثّ جراثيم العدوى. والمقطع التالي هو الذي يقول ذلك:
 
".... قالت أمه:
-  لماذا نحن دون غيرنا! واحد في التراب، وواحدة في السجن، والثالث بينهما.
وقال واحد عن الطاولة التي عن يمينه:
-  ميرمية من فضلك! سكّر زيادة.
كانوا ثلاثة. ملامحهم مختلفة إلى حدّ بعيد، ولكنهم مع ذلك متشابهون؛ وإلى حدّ بعيد أيضًا.
ونظر في ساعته بينما أمّه تقول بصوت مليء بالعذاب:
-  إنها خدعة! واحد يموت، ومئة يتزوجون!". (ص192)
 
إذن فنحن في مقهى عامّ؛ حيث ولدٌ يتهيّأ للموت، وأمّ تتساءل بيأس عن الجدوى؛ والمحيط الخارجي الذي هو مجموعة من المواطنين الفلسطينيين تحت الاحتلال يعزّز من رؤيتها المستجدّة هذه. وفي المقهى يوجد على الطاولة اليمنى (ثلاثة. ملامحهم مختلفة إلى حد بعيد، ولكنهم مع ذلك متشابهون؛ وإلى حد بعيد أيضا)، مهمّتهم أن يقابلوا ثلاثة آخرين، هم أبناء الأم: الشهيد والسجينة والمتهيّئ للاستشهاد.
 
يقول تيري إيجلتون: "إنني أرغب في نوع من النقد، يتّخذ من الصراع حول القيمة الفنية - أو ما اعتدنا على تسميته بالذوق الفني - منطلقه الأساسي؛ ثم يشرع في دراسة العوامل التي تتدخل في تكوين ما نسميه بالقيمة الجمالية... فلننطلق في بحثنا من هذه المنطقة" (بروك وآخرون، 2000: 30). وهذا النوع من النقد هو الذي نتوخّاه، حين نقول بأن القصّ هنا يعود إلى وعي الشخصية الرئيسية: الفدائي الذي يتقنع به الراوي؛ والذي يصطنعه لنا مؤلف ضمنيّ مشابه. ووجهة النظر المكانية هنا منطلقة من منظوره، حيث موقعه الجغرافي هو الذي يحدّد الجهات الأربع: فالثلاثة على الطاولة الواقعة عن يمينه. لكننا بالإضافة إلى ذلك وربما فيما هو أهمّ من ذلك نكتشف وجهة نظر قيَميّة، تَقابلٌ بين موقعين أيديولوجيين متناقضين: فهنا ثلاثة أشخاص يجلسون في المقهى، متشابهون في سلبيتهم الوطنية، رغم أنهم مختلفون في دوافعهم. وهناك ثلاثة إخوة آخرون، متشابهون في دوافعهم الوطنية، رغم أنهم مختلفون في أشكالهم وجنسهم. والابن والأم يستخلص كل منهما العبرة بطريقته الخاصة.
 
(إنها خدعة! واحد يموت، ومئة يتزوجون). ورغم أن هذه العبارة صادرة عن الأم، إلاّ أنها هي التي ستوجّه وعي البطل، وإن كان ذلك في اتجاه مختلف عمّا أرادته أمّه. وهنا كان لا بد من تدخّل الراوي لاصطناع موقف مناسب لهذه التحوّلات الجديدة. فلننظر في هذا المقطع تمهيدًا لتفكيك علاقاته:
 
"ومرّة أخرى نظر في ساعته، ثم إلى الشارع باتجاه اليسار. ولاحظ أنه يجب أن يغير من وضعه قليلاً، لتتجّنب نظرته الطربوش، الذي كان يحجب قطاعًا منحرًفا من الشارع ينتهي عند النقطة المهمّة بالذات. ولكن الأمر لم يكن سهلاً، فالطربوش لم يكن ثابًتا على وضع واحد. كان ينحني ويستقيم ويتأرجح مع كل جملة يقولها صاحبه لزميله". (ص192)
 
نحن الآن في مواجهة عالم تخييليّ ذي بنية مركّبة: طاولة تقع في الناحية اليسرى، يجلس حولها شخصان متشابهان، أحدهما يعتمر طربوشًا أحمر. ثم طاولة أخرى في الناحية اليمنى، يجلس حولها ثلاثة متشابهون. وفي المقابل أمّ وابنها، ومجموعة من التصوّرات والأحلام والمشاعر. ولأننا نعرف مسبقًا بأن "قدرًا كبيرًا من المعرفة من الممكن له أن يتاح، حول أي بنية، وذلك من خلال تفكيكها ثم تجميعها مرة أخرى" (ويلسون، 12: 2000) فقد ركّزنا على أهمّ ما في هذه البنية السردية من محتوى جمالي: وجهة النظر = point of view. فلنلاحظ هنا كذلك كيف تحيل وجهة النظر المكانية إلى محتوىً أيديولوجي، مرجعه وعي المؤلف، الذي نرى نسخته الثانية هنا: فالطربوش الأحمر لا يكتفي بحجب الهدف الصهيوني عن الفدائي؛ بل يواصل تأرجحاته التي لا تسمح بالثبات على موقف واحد.
 
الناحية اليسرى لا تأتي هكذا عبثًا، فكلّ كلمة في القصة لها وظيفة. وإذا كانت الطاولة اليمنى تحيل إلى مدلولات سياسية خاصة، فإن الطاولة اليسرى تحيل إلى قوى اليسار الصهيوني، الذي نجح في اجتذاب العديد من المنتفعين الفلسطينيين، بغضّ النظر عن شكلهم الخارجي، الذي قد لا يتوافق وشعارات اليسار النظرية المشتعلة. نعرف ذلك من خلال المقطع، الذي يحمّل الراوي فيه صاحب الطربوش (المتخلف) مقولات الحزب الشيوعي الإسرائيلي، حين يقول:
 
"-  لا يمكن السكوت على هذا! يجب أن يكون هناك شيء من العدل. للاحتلال أيضًا قوانين يجب أن يتقيّد بها. وقد قلت ذلك منذ البداية، دون أن أخشى أحدًا". (ص193)
 
وهذا هو أقصى ما كان ممكنًا لـ(سكان عرب) منخرطين في حزب شيوعي إسرائيلي، لا يسمح لهم بأكثر من المطالبة ببعض الحقوق المدنية، في دولة اليهود، مقابل الكثير من التعايش والقبول بالواقع (انظر: محمد وآخرين، 1990: 196). ألا نرى هنا صوت المؤلف الضمني واضحًا؟.
 
ولكي يتمكن الفدائي من تحديد هدفه، فلقد كان عليه أن يختار موقعه بين الطاولتين، اليمنى واليسرى. وباختياره هذا الموقع الجغرافي، أصبح في مقدوره السرد من وجهة نظر مزدوجة: الأولى مكانية تنطلق من وعي الرائي (الفدائي) الجالس في الوسط؛ والأخرى أيديولوجية تحمل حركات الشخص الآخر (الطربوش) مدلولات سلبية قيميًا ووطنيًا. فلننظر كيف فعل الراوي ذلك:
 
"وأصبح الآن في وضع ملائم بحيث أصبح يكوّن من مكانه مثلًثا متساوي الساقين مع الطاولتين الأخريين، ولم تعُدْ بهلوانيّات الطربوش الأحمر تعيق مراقبته". (ص193)
 
لا شك أن وجهة النظر، في الأصل، هي مبحث جمالي بحت - أو شكلاني إن شئنا الدقة أكثر - لأنه يتمحور حول علاقات الشكل، بعيدًا عن المحتوى الأيديولوجي للنص. لكننا إذا ما أردنا تطوير التعامل مع المباحث الجمالية، لتتّسع للمعنى؛ فسوف نكتشف أن لدينا إمكانات تفسيرية أخرى، لوجهة النظر. وفقد سبق أن لاحظ لوكاش - بمنتهى حدة الذهن - "أن الأشكال نفسها هي الحوامل الفعلية للأيديولوجيا في الفن، وليس المضمون المجرد للعمل الأدبي: فنحن لا نرى أثر التاريخ في العمل الأدبي، إلا من حيث كونه عملاً أدبيًا على وجه التحديد". (إيجلتون، 1985)
 
وعندما يختار نصّ أدبي فلسطيني، للفدائي، موقعًا جغرافيًا هو قاعدة المثلث؛ فإن على التفسير أن لا يمرّ على هذا الاختيار، دون الحفر في أعماقه الأيديولوجية: فساقا المثلث المتساويان شك ً لا، يحيلان إلى موقفين سياسيين متشابهين، لكل من اليمين الرجعي واليسار الشيوعي، في فلسطين المحتلة. وبما أن المؤلف الضمني يرفضهما سويًا، إذن فمن الطبيعي أن يتموقع قيميًا، مع الفدائي، في قاعدة المثلث: إذ من المفترض أن (القاعدة الشعبية) هي أساس الموقف الصلب، لكل الثوريين، كما هو حال القاعدة بالنسبة للمثلث المتساوي الساقين. وهكذا سوف يصبح ممكنًا لنا رؤية أن وجهة النظر، وفق هذا التناول، قادرة بالفعل على أن تلقي كثيرًا من الضوء، لا على مقدار تشابه الموقفين فحسب، بل كذلك على مدى طفيليتهما: إذ يعتمدان في الإضرار بأمتهما، على قاعدة منها. وهو أمر كان وعي الشخصية الرئيسية قد أدركه. نفهم ذلك من قوله لأمه:
 
"-  وأنا أيضًا لا أفهم! إنها المأساة الحقيقية لنا. أكثر حتى من الاحتلال، وأنا أحسّ بهذا". (ص195)
 
ها نحن الآن نرى وجهة النظر الأيديولوجية للشخصية الرئيسية، وقد بدأت تتّجه نحو التحوّل في الهدف. ورغم أن التحوّل لا يكون تحوّلاً دراميًا إلاّ بعد المواجهة؛ غير أن المؤلف الضمني مدرك أن عليه، قبل ذلك، أن يبرّر موقفه الأخلاقي الجديد؛ وذلك بتصوير هؤلاء (الأعداء الجدد) في صورة لا يمكن لها إلا أن تحظى بسخط المتلقي، فتتيح للراوي من ثم أن يدفع الفدائي لاستهدافها، على اعتبار أنها تعترض الطريق إلى المصفحة. ولْنقرأ هذا المقطع:
 
"وفطن إلى الطاولة التي عن يمينه وهي تقول:
 -  ... وكنت في طريقك إلى المسجد للصلاة، وحدث أن دلقَتِ امرأة ما سائلاً إلى الشارع وأصاب ثيابك منه شيء فكيف تفعل؟ إنك لا تعرف ماهبّة السائل نجاسة هو أم لا. فهل تجدّد وضوءًا أم تصّلي بغير ذلك!.
-  الأمر واضح. أسأل المرأة!
-  أتوضّأ.. ماذا يقول الأستاذ إبراهيم؟
-  يغلب أن ما تدلقه النساء من ماء إلى الشوارع يكون فيه نجاسة من براز طفل أو دم حيض أو...
واحتدّت الطاولة اليسرى لأول مرّة:
-  إنّ كذاب منافق! لقد أخلي المستوطنون بفضل احتجاجنا فقط". (ص196)
 
كلّهم مشغولون بتحقيق مكاسب وهميّة، تمهيدًا للفوز بمقعد في البرلمان، على حساب القضية الوطنية. ولو قارنّا هذا التصوير الدالّ، لموقف مثل هذه الحفنة المنتفعة، بالموقف الأيديولوجي للمؤلف الضمني؛ فسوف ندرك أن كل ذلك هو من فعله: إذ يريد لنا أن نراه متطابقًا مع شخصية المؤلف المدني أحمد حسين، المناضل القومي الناصري، الذي سبق له أن وصف الانتخابات الإسرائيلية بأنها "قضية عائلية يهودية. ومن الصفاقة تدخّل الغير في الشؤون العائلية للآخرين".  (وردت هذه العبارة في قصة "محطة الباصات المركزية"، صفحة 111 من نفس المجموعة).
 
إذن، هل حدث هنا نوع من التطابق؟. ربما. ولكن المؤكد أن هذا لا يحدث إلاّ نادرًا، ومع المفكرين العضويين الذين طالما حلم بهم غرامشي (انظر: سعيد، 2000، 90). إن قبولنا بهذا الاستنتاج هو الذي سوف يؤهّلنا لنوع من عقد المقارنة، بين شخصية المؤلف المدنية، التي نعرف مواقفها الحقيقية، وبين هذه النسخة النصية التي لن تتورّع عن خداعنا، إن وجدت الطريق إلى ذلك ممهدة. وإذا كانت كل هذه الشخصيات تحوّل القضية الوطنية إلى (مأساة حقيقية أكثر من الاحتلال)، كما رأينا في مقطع سابق؛ فقد كان لا بدّ للراوي من أن يأتي بالمصفّحة، لتمرّ تحت مرمي قنبلة الفدائي فلا تنطلق من يده، في تعبير عن تحقق هزيمةِ وعيٍ قديمٍ متردّدٍ، أمام وعيٍ جديدٍ ينشئه فشلُ العملية الفدائية: وعي يوجّه الفدائي نحو هدف جديد، بتنا الآن نتوقعه، بعد كل تلك المقدّمات اللافتة.
فلننظر كيف تحقق ذلك في النص:
 
"وهبّت كل مشاعره دفعة واحدة، وأحسّ بجلده يمتلئ بشيء كالهواء الساخن حتى يكاد ينفجر... لقد ظهرت النقطة السوداء عند النقطة البعيدة، وخُيّل إليه أنهم يسمعون دقّات قلبه حتى من ذلك البُعد. ماذا حدث له؟". (ص198)
 
لقد حدث له ما لا بدّ أن يحدث لأمثاله، في موقف كهذا. ظهرت المصفحة، وحرّر حلقة الأمان من القنبلة. ولكنه لم يقذفها على الدبابة.
 
يقول تيري إيجلتون: "الأدب أيديولوجيا لأنه أحد الوسائل التي تستخدمها مجموعات اجتماعية معيّنة، لتمارس وتفرض سلطتها على الآخرين" (كرنان، 2000: 93). ولقد حاول الراوي مُلحًّا أن يضعنا تحت تأثير توجيهات صارمة، تقيّد رؤيتنا التفسيرية، وتقرّر لنا ما يجب وما هو ممنوع؛ وذلك عندما أرادنا أن نتعاطف مع رؤية المؤلف الضمني، في ضرورة إلقاء القنبلة على الطاولتين، بدلاً من المصفّحة.
 
وحيثما سعت دراسة نقدية إلى إلقاء الضوء على علاقات النص الخفية، أمكن لنا أن نسميها تفسيرًا (Interpretation)، كما هو الحال لدى المحلل النفسي عندما يسعى "إلى إبراز معنىً جديد، فيما وراء المعنى الظاهر" (المودن، 1997: 61)، في خطاب المريض.  
 
إننا إذن في مواجهة راوٍ يمارس عددًا من استراتيجيات الخداع، مثل مريض يخضع لعملية تحليل نفسي، تحفر في لاشعوره المتخفي من وراء وعيه الظاهر. فهذا السرد نص ظاهر، أمّا الخطاب = Discourse فيخفي وراء الكلمات الظاهرة عملية (قلب) استبدلت المختلف الضعيف بالعدوّ القوي، تحت ضغط كبت يبحث عن التنفيس. "فقد عرفنا من قبل تلك القاعدة التفسيرية: أن كل عنصر، من حيث تفسيره؛ قد يعرب عن ضدّه، كما يعرب عن نفسه... والذي يجعل هذا القلب إلى الضد شيئًا ممكنًا، هو هذه الرابطة الاستدعائية الباطنة، التي تربط في فكرنا بين فكرتنا عن شيء وبين ضدها. وهذا القلب - شأنه شأن أي نوع آخر من أنواع النقل - قد يخدم أغراض الرقابة، ولكنه قد يكون أيضًا، في أحيان كثيرة، وليد تحقيق الرغبة: فما تحقيق الرغبة إلا أن تستبدل بشيء مُسْتَكرَه ضدّه". (فرويد، تفسير، دون تاريخ: 469)
 
لا رغبة لدينا، ولا رغبة حقيقية لدى المؤلف الضمني؛ في رؤية القنبلة تلقى على الضعفاء، لمجرّد سلبيّتهم. لكننا نقف هنا، في الحقيقة، أمام شحنة غضب عارم تبحث عن تنفيس: حيث لا تجد النفس وسيلة لذلك أسرع من تفريغ شحنتها في أقرب محيط، بشرط أن يكون ذلك ممكنًا. وهذا هو ما كان، حين ألقى الفدائي القنبلة - التي تبحث لها عن هدف - على الطاولتين. أمّا كل هذه التقنيات الجمالية فلم تكن إلاّ محاولة لتسريد الهزيمة، وجعلها من ثم مجرّد  حكاية يمكن للراوي أن يجد لها الحلّ في النهاية.
 
مرّة أخرى نرى أنفسنا في مواجهة نوع من (القلب)، الذي تحدّث عنه فرويد في المقتبس السابق: قلب يستبدل بشيء مستكره ضده، خصوصًا إذا كانت مواجهة هذا الشيء المُسْتكرَه متعذرة؛ فهو يضع المشجب أمام عيني عاجزٍ ينوء بعجزه، ويبحث عن شيء يعلقه عليه. ولقد قدم له الراوي هذا المشجب بالفعل، حين حاول إقناعنا بأن هؤلاء السلبيين الجالسين على الطاولتين، هم المتسبّبون الحقيقيون في هذه الهزيمة. ولقد استعان في سبيل ذلك بحيل جمالية، لعلّ المقطع الأخير أقدرها على التأثير:
 
"وفجأة فهم كلّ شيء. إنه لم يُهزم. اللحظةُ لا تزال تنتظر. لم يكن الخوف هو السبب...الرؤية فقط. لم يكن كل شيء واضحًا كما هو الآن.
نظر عن يمينه وعن شماله إلى الطاولتين!. وتذكّر رغمًا عنه العمود النازل من الرأس على منتصف القاعدة وقذف بالقنبلة. واستدار خفيًفا ممتلئًا كغمامة ملأى بالمطر". (ص200)
 
الرؤية هي التي تحدّد جدوى الهدف التكتيكي. هذا ما يريد المؤلف الضمني أن يقوله هنا، متلفعًا بتصوير جمالي يكاد يخدّر الإحساس، كما في قوله: (وتذكّر رغمًا عنه العمود النازل من الرأس على منتصف القاعدة وقذف بالقنبلة. واستدار خفيًفا ممتلئًا كغمامة ملأى بالمطر). ومع ذلك فما زلنا لا نعرف بعد: هل الرؤية هذه هي الوطن، أم أنها صورة الطريق إلى الوطن؟. ثمّة كثير من المفكرين الأيديولوجيين الذين استعاضوا بالصورة عن الأصل، في خضمّ جدالهم الفكري المحض. ولقد نعزي أنفسنا بأن كل هذا من الممكن له أن يزول، حين يتحرر الوطن.
 
هناك عديد من الدلالات الموضوعية، التي من الممكن أن تحيل إليها مراجعة مبحث شكلاني الأصل كوجهة النظر. وقد رأينا مثال ذلك في تلاعب النص بتعبيرات، تعوّدنا على مجرد التوظيف الجمالي لها، لتحيل إلى محتوىً أيديولوجي موضوعي: حيث نكتشف، إضافة إلى الدلالة الشكلانية المعهودة لوجهة النظر، دلال ً ة قيمية، تنتج مرة عن المقابلة بين موقعين أيديولوجيين متناقضين للشخصيات؛ ثم تنتج مرة أخرى، عن مقابلة مشابهة بين قاعدة المثلث المتساوي الساقين - كموقع جغرافي لوجهة نظر الشخصية الرئيسية - من جهة؛ وتعبير (القاعدة الشعبية) ذي المحتوى المرجعي الأيديولوجي لكل النظريات الثورية، من الجهة الأخرى...  وهكذا.
 
خاتمة البحث:
 
نلاحظ في النص الأول (الشوط الرابع) أن الكاتب قد نجح بالفعل في توصيف انفعالات الغريزة: إذ تسارعت أنفاسنا ونحن نراقب روعة تصوير الراوي للحظة التمرد العنيف، لدى الشخصية الرئيسية (صالح)، على واقع القهر الذي ظل مفروضًا عليه، قبل أن يتمكن من قهره وتحديه. وبذا يمكن القول إن الخطاب المضمر لهذا النص يستلهم مقولة الفلسطيني في الدولة اليهودية: (ما يؤخذ بالقوة لا يُستردّ إلا بالقوة).
 
أمّا في النص الثاني (الوجه والعجيزة) فقد بدا لنا واضحًا العنف اللفظي للمؤلف، في تحدّيه لكل إملاءات القوة الصهيونية، على المواطنين العرب في الدولة اليهودية. إذ نرى العربي (سامي) يستعيض عن هزيمة قومه، باعتلاء العجيزة اليهودية التي لا ملامح لصاحبتها. وإذا كنا نعلم أن كل تنكير هو تعميم فإن لنا أن نتصور كيف أمكن للمؤلف أن يجعل من هذه العجيزة المعتلاة نائبة عن كل اليهود المحتلين. ولكي لا يذهب بنا الظن بعيدًا، فنتخيل أن هذا نوع من علاقة توحُّد إنسانيّ بين قوميتين، فإن المؤلف يعمد إلى إنشاء صراع بين المتساكنَين (سامي) و(ليزه) حول البراكة مكان السكن المشترك، ويجعل اليهودية تصرّ على الاستئثار بها دون العشيق الذي تتهيّأ لطرده. ثم لا يجد المؤلف من حلّ لهذه العقدة سوى أن يزيل البراكة، التي أدرك سامي أخيرًا أنها لم تكن أكثر من ندبة في الخلاء الواسع الجميل. وبذا يؤكد النص استحالة التعايش بين الفلسطيني وقاهره على أرض فلسطين.
 
أما في النص الثالث (قاعدة المثلث) فقد بدا لنا ضرورة الاستعانة بأدوات التحليل البنيويّ، وذلك عندما تطرّقنا إلى وجهة النظر. حيث توخّى التحليل تحميل وجهة النظر - وهي في الأصل مقولة بنيويّة جمالية - مدلولات أيديولوجية تاريخية، تحيل في أغلبها إلى مقولات المؤلف الضمني. ولقد يمكن تأكيد ما ذهبنا إليه، من تأمّل بسيط لطبيعة التشبيه الذي لجأ إليه الكاتب، حين رسم صورة مفعمة بالجمال للمناضل الذي يقذف قنبلته على مواطنيه السلبيين بدلاً من الدبابة، بالكلمات الآتية: (وقذف بالقنبلة. واستدار خفيفًا ممتلئًا كغمامة ملأى بالمطر). ونحن نعرف أن تشبيهًا كهذا هو تعبير لا يخلو من مدلولات أيديولوجية، يتعاطف معها كاتب النص، أو الكاتب الذي نستكشفه في النص.
 
المصادر والمراجع
 
أولاً: الكتب:
1.     إسماعيل، عز الدين (إشراف)، 2003 : النقد الثقافي والنقد النسوي، ط 1، من أعمال المؤتمر الدولي الثاني للنقد الأدبي المنعقد بالقاهرة في نوفمبر 2000 ، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة.
2.     إيجلتون، تيري، 1985 : الماركسية والنقد الأدبي، ترجمة جابر عصفور، مجلة فصول، القاهرة، المجلد الخامس، العدد الثالث: 20- 43.
3.     باختين، ميخائيل، 1987 : الخطاب الروائي، ط 1، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة.
4.     بروك، پيتر وآخرون، 2000 : التفسير والتفكيك والأيديولوجيا ودراسات أخرى، ترجمة وتقديم نهاد صليحة وآخرين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
5.     بوث، وين، 1994 : بلاغة الفن القصصي، ترجمة أحمد خليل عرادات وعلي أحمد الغامدي، جامعة الملك سعود، الرياض.
6.     بيلمان نويل، جان، 1997 : التحليل النفسي والأدب، ترجمة حسن المودن، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة.
7.     حسين، أحمد، 1979 : الوجه والعجيزة (مجموعة قصصية)، الصوت، الناصرة.
8.     دولوز، جيل، 1999 : التجريبية والذاتية: بحث في الطبيعة البشرية وفقًا لهيوم، ط 1، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.
9.     سانتيانا، جورج، 2002 : الإحساس بالجمال: تخطيط النظرية في علم الجمال، ترجمة د. محمد مصطفى بدوي، مراجعة وتقديم: د. زكي نجيب محمود، مكتبة الأسرة، مهرجان القراءة للجميع، سلسلة أمهات الكتب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
10.  سعيد، إدوارد، 1995 : الاستشراق: المعرفة السلطة الإنشاء، ط 4، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت.
11.  سعيد، إدوارد، 2000 : العالم والنص والناقد، ترجمة عبد الكريم محفوض، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق. نسخة مسحوبة من الموقع الألكتروني للاتحاد بتاريخ 4.8.2008.
12.  فرويد، سيجموند، دون تاريخ: تفسير الأحلام، ط 5، ترجمة د. مصطفى صفوان، مراجعة:  د. مصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة.
13.  فرويد، سيجموند، دون تاريخ: محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، ترجمة د. أحمد عزت راجح، مراجعة محمد فتحي، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة.
14.  كرنان، ألڤين، 2000 : موت الأدب، ترجمة بدر الدين حب الله الديب، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة.
15.  ليتش، ڤنسنت. ب، 2000 : النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، ترجمة محمد يحيى، مراجعة وتقديم ماهر شفيق فريد، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة.
16.  محمد، جبريل وآخرون، 1990 : فلسطينيو 48 : نضال مستمر ( 1948 - 1988 )، ط 1، الزهراء للدراسات والأبحاث، القدس.
17.  همفري، روبرت، دون تاريخ: تيار الوعي في الرواية الحديثة، ترجمة وتعليق وتقديم د. محمود الربيعي، مكتبة الشباب، القاهرة.
18.  ويلسون، جلين، 2000 : سيكولوجية فنون الأداء، ترجمة د. شاكر عبد الحميد، مراجعة د. محمد عناني، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.
19.  ويليامز، رايموند، 2001 : الثقافة والمجتمع، ترجمة وجيه سمعان، مراجعة محمد فتحي، مكتبة الأسرة، مهرجان القراءة للجميع، سلسلة الأعمال الفكرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
20.  يونج، كارل، 2003 : علم النفس التحليلي، ترجمة نهاد خياطة، مكتبة الأسرة، مهرجان القراءة للجميع، سلسلة أمهات الكتب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. 
 
ثانيًا: الشبكة العنكبوتية:
 
 
 

إضافة تعليق

 
الاسم
البلد
التعليق
       

 

ارسل الى صديق طباعـة العودة إلى الأعلى